لقد مت… وأنتهى الأمر!!

كانت الساعة الثالثة فجراً عندما توقف قلبي عن النبض. مُتُ بهدوء بين الناس الذين أحبهم ولم يكن هناك لا ألم ولا أسى. جئت الى هذه الدنيا وحيداً وتركتها وحيداً. كل ما تركتهُ خلفي لا يتعدى بعض الافكار التي كنتُ أتمنى أنها ستصلح حال الناس الذي أحبهم. لكن… لقد فات الأوان وها أنا ميت وكأنني لم أكون يوماً.

كيف عرفت أنني ميت؟ سمعت صوتاً ينادي باسمي منتصف الليل. بسام… بسام… حان وقتك. فتحت عيني، ففهمت أنني ميت لامحالة. فها هو عزرائيل بثيابهِ الحمراء ولحيتهِ البيضاء يجلس جواري في السرير ويخاطبني. لا أحد يراه او يسمعهُ سواي. فأنا الميت هنا بين الاحياء.

أجبت بدون تفكير، كيف عرفت أسمي ومن تكون أنت؟ رغم أنني أعرف الجواب على هذه الاسئلة مسبقاً، لكن الكلمات كانت تتسلل وكأنها ماء دافق من بحر الافكار الحائمة في محيط الموت الابدي. عزرائيل هز رأسهُ بهدوء وقال، لو أخذت درهماً واحداً كل مرة أحدهم يسألني هذا السؤال لأصبحت بغنى الله نفسهِ.

ضحكت في قرارة نفسي وأنا أتخيل عزرائيل يلبس اساور الذهب. لكنني تمالكت نفسي وسألتهُ، ماذا الآن؟ هل ستأخذني الى الجحيم؟

عزرائيل: هههههه، لا طبعاً!! سنذهب أولاً الى الله فهو يريد أن يقابلك.

بسام: الله، هل هو موجود فعلاً؟

عزرائيل: موجود مثلي ومثلك، لكنهُ كسول ويكلفني كل مرة يموت فيها أحد أن اذهب وآتي بهِ. كأنني لا شغل ولا عمل لي غير أن أقضي مشاويرهُ.

بسام: لكن إذا كان الله موجود، فهذا يعني أن مصيري الجحيم، لأنني دفعت بالآلاف وربما الملايين الى الالحاد؟

عزرائيل: ما هذا الكلام الفارغ، لا تدخلني بمشاكلك مع الله. لنذهب لهُ الآن فأنا لي حياتي ولا تحشروني بمشكالكم لطفاً.

أخرج عزرائيل جهاز الكتروني غريب من جيبهُ فيه شاشة مضيئة بالأزرق. كبس كبسة زر وإذا بنا ننتقل من مكان لمكان. كان الجو بارد جداً في المكان الجديد. فصرخت بعزرائيل. لماذا لم تقل إن الجو بارد هنا؟

عزرائيل: أففففف… أنتم يا بشر تموتون ولا تتنازلون عن وسائل الترفيه والتدفئة.

بسام: طبعاً… هذا حقي.

عزرائيل: ناقش هذا مع الله أنا ذاهب الآن.

كبس كبسة ثانية على جهازهِ فأختفي.

نظرت حولي فلم أرى شيء، سمعت أحدهم يناديني باسمي. بسام!!

بسام: الله؟؟ هل هذا أنت؟ أين أنت؟؟

الله: هنا… هنا… انظر للأسفل.

نظرت تحت قدمي فإذا بكائن غريب الشكل قصير القامة لا يتجاوز ارتفاعهُ الشبرين.

بسام: هل انت الله؟

الله: نعم… تشرفنا… وانت بسام كما أعلم طبعاً.

بسام: نعم… لكن.

الله: أرجوك لا تتمسخر من حجمي، فهذه اول عبارة يتساءل عنها البشر الذين اراهم هنا كل يوم.

بسام: لا… لا… عفواً. ليس الموضوع موضوع حجم، لكنني اضحك على صوت الآذان الذي ذبحونا بهِ 1400 سنة، الله أكبر!! وانت في الحقيقة بالكاد تصل الى ركبتي.

الله: هناك سوء فهم واضح. البشر يعتقدون بأن الله كبير وعملاق ومرعب.

بسام: الخطأ خطأ انت جعلتهم يعتقدون ذلك.

الله: أنا!!؟؟

بسام: نعم أنت، انبيائك الواحد تلو الآخر كانوا يحدثونا عن عظمتك وبهائك و و و… بالمناسبة بيتك بارد جداً. كيف يكون بارد ونحن في السعودية؟

الله: أولاً، لا أعرف عن أي انبياء تتحدث، ثانياً، نحن لسنا في السعودية والعياذ بي.

بسام: لكن… بيتك في مكة… أم هذه ايضاً افتراء عليك مثل حجمك؟

الله: ههههه… وهل من إله أو حتى ملاك سكران يرغب أن يسكن في صحراء؟

بسام: لكن… عفواً. مسكنك هنا في هذا الجو البارد ليس أفضل بكثير من الصحراء الدافئة. أين نحن؟ في السماء؟؟

الله: هههه ما هذه الخرافات؟ أي سماء وأي بطيخ؟ لا طبعاً نحن على كوكب الارض. بالضبط في القطب الجنوبي.

بسام: هذا يفسر درجة البرد الشديدة.

الله: نعم، التدفئة هنا صعبة قليلاً خاصة بعد أن تخاصمنا أنا وجبرائيل، وهو خبير بموضوع التدفئة كما تعلم، أما أنا فمنذ تركنا جبرائيل أدركت بأنني لا أساوي درهم بموضوع الصيانة المنزلية.

بسام: ولماذا تخاصمت أنت وجبرائيل؟ وما الخلل في التدفئة هنا؟ ربما أستطيع مساعدتك؟

الله: أنها قصة قديمة عمرها 2000 سنة عن فتاة وقعت في حبها، فخانني جبرائيل معها، لا داعي لفتح جروح الماضي. فأنا أقدر صداقة جبرائيل فعلاً، خاصة وأن البرد قارص الآن.

بسام: حسناً، فهمت… لا تقلق!! لن أمثل دور الطبيب النفسي، لكن!! ماذا تفعل هنا؟ وأين الجحيم والشياطين وكل هذا الكلام المرعب الذي ينتظرنا نحن الملحدين؟

الله: يا بسام … يا بسام… دعك من الكلام الفارغ هذا والمزاح الآن. جئت بك الى هنا لأنني أريد أن أناقشك في موضوع هام وخطير. يتعلق بالبشرية!!

بسام: أنا ميت الآن… فماذا أستطيع أن أفعل للبشرية؟ وبما أنك لا تستطيع اصلاح مدفئة، فعلى الغالب أنت لا تستطيع فعل شيء للبشرية كذلك.

الله: موضوع الموت والحياة موضوع مبالغ بهِ جداً. صدقني.

بسام: كيف يا الله؟ اليس الموت هو النهاية الابدية؟

الله: يبدو أن أؤلاءك الذين أدعوا أنني ارسلتهم قد لعبوا في عقولكم!! ما هذه الكلام الفارغ؟

بسام: الذين يدعون؟؟ هل تقصد أنك…

الله: بالضبط…

بسام: لكن… ابراهيم… عيسى. موسى. محمد؟؟؟ الانجيل والقرآن؟؟

الله: مجانين ضحكوا عليكم وأنتم الاغبياء صدقتموهم

بسام: لا.. لا… الزم حدك يا الله، فأنا لم أصدق واحداً منهم. قصة وجودك كلها لم ترق لي وكان فيها الكثير من المغالطات المنطقية.

الله: لهذا أنت هنا الآن… أريد أن أناقش بموضوع مهم… دع الكلام الفارغ عن كم مجنون من البشر. فأنا أعرف البشر منذ بدايتهم وعدد المجانين بينهم يفوق عدد الذين عددتهم بكثير.

بسام: حسناً، هل لديك شيء دافئ نشربهُ؟ فأن البرد بدأ يخترق عظام روحي.

الله: شايشئيل سيأتي ببعض الشاي بعد قليل. تفضل أجلس.

فجلست.. وفتح الله فمهُ وقال… دعنا نتحدث بصراحة!

كما تعرف مسبقاً فقد مُتُ ملحداً. لكن كما يبدو فأن هذا الشيء لم يزعج الله، حتى اللحظة على ما يبدو. فها هو الله يجلس أمامي على كرسي صغير مرتفع يشبه شيء ما كراسي الاطفال، لكنهُ بدون الجزء الامامي لكراسي الاطفال. كيف هي هيئته؟ بالطبع وانا صغير كنت أعتقد بأنهُ رجل كهل أبيض طويل وكبير ويرتدي ملابس بيضاء ولهُ شعر ولحية بيضاء كذلك. الحقيقة أن الشخص الذي يجلس أمامي الآن لايمت لهُ بصلة. فهو ذو بشرة خضراء فاقعة، يمتلك اربعة عيون اثنين للامام وأثنين للخلف. ما رأيت عيونهُ الخلفية لولا أن شعر رأسهِ خفيف جداً ويكاد يكون معدوداً. الشيء الذي فاجأني أكثر، هو أن الله عاري تماماً ويمتلك أثداء مترهلة ولا يمتلك أي اعضاء تناسلية. وددت أن أسئلة إذا كان ذكراً أو أنثى، لكنني خجلت. خاصة وأنني ضيف في بيته وهو كما يبدو عليه في أزمة ما ويحتاج مساعدة ما لا أعرف ما هي.

بادرت بالسؤال. ماذا تريد مني يا الله؟ لماذا لا تتركني أموت وأغفو في الظلام ولينتهي الامر؟ ما هي عقدتك مع الموت؟ لماذا تريد أن تعذب البشر في أبدية أنت من اختلقتها وهم غير مسؤولون عليها؟

تنهد الله وفرك عينيه الاماميتان ونظر في وجهي بجدية وقال. قلت لك أن كل ما سمعتهُ عني كذب في كذب. ولا أريد أن أناقش موضوع المجانين الذين كما يبدو يملئون تاريخكم، فهذه ليست مسؤوليتي. وكان أولى بكم أن تحاكمهم أو تعالجهم من جنونهم بدل أن تصدقوهم. أردت الحديث معك لأنك كما سمعت، تمتلك قدرة نادرة على التفكير بشكل منطقي، شيء يبدو أن الغالبية العظمى من بني جنسك لا يجيدونها.

لكن، ماذا أستطيع أن افعل الآن؟ قلت لهُ، فأنا ميت، ميت جداً!!

الله: كما أخبرتك، فأن موضوع الموت والحياة موضوع مبالغ بهِ جداً. فلا الموت في الحقيقة موجود بشكل منفرد ولا الحياة.

دخل علينا شايشئيل وهو ملاك بنفسجي ضخم الجثة يسير على اربعة أطراف ويمتلك سبعة قرون. على قرونهِ استقرت صينية خشبية سوداء عليها كأسين خشبيين تفوح منها رائحة شاي ساخن وعطر. تلقفت الفنجانين واعطيت الله أحدهما وبدأت أشرب كي أدفئ اطرافي. شايشئيل رفع حافرهُ باتجاه كأس الشاي الذي في يدي، فنهاه الله وطلب منهُ مغادرة الغرفة. زمجر شايشئيل متنرفزاً من شيء لم أفهمه وخرج.

الله: شايشئيل المسكين كان قد اعد لك الشاي الذي تحبهُ أنت، لكنك أخذت كأسي وها أنا استمتع بتذوق صنفك المفضل.

بسام: هنيئاً على قلبك، لكنني لا أهتم كثيراً بطعم الشاي الآن بقدر ما أهتم بدرجة البرودة القارصة التي انت تعيش فيها.

الله: وهذه هي المشكلة التي أريد أن أناقشك فيها يا عزيزي.

بسام: البرد؟

الله: نعم… ماهي معلوماتك على التغييرات البيئية الجارية الآن على كوكب الارض؟

بسام: معلوماتي بسيطة، تدور حول الفرط باستخدام الطاقة العضوية سبب زيادة في غاز ثاني اوكسيد الكاربون الذي بدوره تسبب في مشكلة الاحتباس الحراري… شيء من هذا القبيل. عذراً فأنا لست خبيراً بالموضوع.

الله: تماماً، ارتفاع الاحتباس الحراري… هذه هي المشكلة.

بسام: عفواً… ماهي بالضبط المشكلة؟

الله: الاحتباس الحراري يتسبب برفع درجة الحرارة في المدن الكبرى، لكنهُ يقوم بعكس ضوء الشمس الى الفضاء الامر الذي يؤدي بمرور السنين الى هبوط درجة حرارة الكوكب.

– طيب… بدل الارتفاع ستنخفض درجة الحرارة. ما المشكلة؟ ما الذي تريد الوصول اليه؟

– كما تعرف فأن عمري لا يساعدني في البقاء في جو بارد كهذا.

– عمرك؟ قلت لهُ. الست أزلي؟

ادار الله وجهه متأففا… فبادرتهُ.

– عذراً… يبدو أن الخرافات التي سمعناها عنك ليس من الصعب محيها. ولا زلت حديث العهد بالموت ولا اعرف بالضبط ماذا سأصدق.

أستدار الله باتجاهي وقال بصوت راجف. أنا أموت ببطيء في هذا البرد… سأموت إذا لم نجد مسكن جديد لي بدل هذه الخرابة المتجمدة هنا.

لم أفهم بالضبط ماذا يريد الله مني أن أفعلهُ، لكنني شعرت بأن كلماتهُ صادقة وبأنهُ يستنجدني.

– كيف أستطيع أن أساعدك؟ قلت لهُ دون أن أعلم بالضبط ماذا أقول.

– أريدك أن تساعدني حتى أعثر على مكان جديد، يعيد الدفء الى عظامي الهرمة.

– لكن… بيوتك في كل مكان. أنتقل الى أي جامع أو كنيسة. هناك الناس مجانين بك، بل يذبحون بعضهم البعض من أجل رضاك.

– نعم… للأسف سمعت عما يفعلهُ البشر باسمي. لكن صدقني، فأنا بريء براءة النيازك من دم الديناصور.

فكرت قليلاً… شربت الشاي الالهي هذا بهدوء وعرفت بأنني ميت جداً… والله بحاجتي جداً والا سيتحول الى قزم من جليد. فوجدت باباً… ولو صغيراً كي أفرض شروطي. فقلت:

– نعم… لكن.. كيف سأساعدك؟

– أريد أجازة!!

=====================================================================

Facebook Comments

Let me know what do you think?

Shares