لماذا تختلف شخصية الله من عصر لآخر؟

عندما يقوم حيوان مفترس بافتراس حيوان آخر فهل ما قام بهِ الحيوان هذا فعل شرير؟ أم هي غريزة البقاء التي تدفعهُ لقتل كائن آخر؟ وهل الغريزة مبرر أخلاقي كافي؟ ماذا لو قام رجل متقدم بالعمر بأغتصاب طفلة عمرها تسعة سنين؟ الا يقوم هو كذلك بممارسة غريزتهُ الجنسية والتي تطلب منهُ ممارسة الجنس للحفاظ على الجنس البشري؟ لماذا فعل الاغتصاب نراه فعل شنيع وعندما يلتهم أسد غزالاً نراه فعلاً طبيعياً؟ ماهو الصواب والخطأ في الامثلة أعلاه؟ أين يكمن الخلل في المقارنة بين غرائز الانسان والثدييات الاخرى كالاسد والخنزير؟ ثم، كيف نعرف الخير من الشر في حياتنا؟ هل نستطيع فعل هذا دون منظومة دينية راسخة وشرائع سماوية توجهنا؟

الله… من هو؟

المقارنة بين غرائز الحيوانات المتفرسة وغرائز البشر مقارنة بالطبع غير صائبة لسببين محددين. أولهما أن الإنسان نجح بتطوير منظومة إجتماعية وأخلاقية لم يستطع حتى اليوم أي كائن ثاني على وجه الارض امتلاكها. نعم هناك بعض أشكال النظم الاجتماعية  والاخلاقية[1] في عالم الحيوان خاصة لدى جنس القرود العليا لكن هذه النظم لازالت تحكمها دوافع غريزية لا أكثر. مع ذلك، أمتلاكنا لمنظومة أخلاقية متطورة لايعني بأن جميع البشر أصبحوا ذو خلق رفيع ويتصرفون بروح إنسانية تجاه بعضهم البعض. لكن، كل البشر اليوم بل حتى ذلك من يرغب بأغتصاب طفلة بعمر تسعة سنين يدرك تماماً بأن أغتصاب طفلة عمرها تسعة سنين هو فعل شنيع وغير أخلاقي مقارنة بالثدييات الاخرى مثلاً والتي لاترى الامر من هذا المنظور.

السبب الثاني الذي يميزنا عن بقية الحيوانات على سطح الارض هو أن الحيوانات المفترسة لاتمتلك قدرة التقمص العاطفي وهي قدرة فريدة بالانسان فقط. فما هي قدرة التقمص العاطفي؟ هي قدرة الإنسان على فهم وتفهم شعور الآخرين دون الحاجة لإن تمر بنفس الموقف. فمثلاً سواء كنت رجل أو إمرأة فأنت تستطيع تفهم شعور طفلة صغيرة بعمر تسعة سنين يقوم رجل عجوز في الخمسيات من عمره بأغتصابها. تستطيع أن تتخيل جسد هذا الرجل العجوز عارياً والشعر يغطي جسده، تستطيع تخيل عرقهِ اللزج ورائحة فهمهُ وهو يلعق أو يمص جلد الطفلة المسكينة. تستطيع أن تتخيل حجم الالم والتمزق التي شعرت بهِ الطفلة عندما قام الرجل العجوز بأختراق جسدها. قدرة التقمص العاطفي هي ما يجعلنا نتألم ونستمتع بفلم عاطفي حزين أو درامي مشوق أو مرعب دون أن نكون قد مررنا بنفس هذه التجارب التي يمر بها بطل الفلم مثلاً.

المسيح كذلك هو شكل من أشكال الله في المسيحية

في الفكر الديني الذي نشأنا أغلبنا عليه فأن فكرة الخير و الشر ترتبط أرتباطاً وثيقاً بالتعاليم الدينية التي انزلها الله. فلا الصواب صواب لشيء كامن فيه ولا الخطأ خطأ لضرر ناتج عنه، بل التعاليم الدينية والاوامر الإلهية هي التي تقرر ماهو الصواب وماهو الخطأ. هذا بدوره وللأسف أدى لشلل المنظومة الاخلاقية التي تقوم على التطور العرفي والاجتماعي للبشر.  ربما هذا أحد التفسيرات وراء بقاء البلدان المتدينة في مؤخرة الامم والحضارة الإنسانية. ربما رغبتنا بالتمسك بأخلاق عصر بائد أدى إلى عجزنا عن رؤية فوائد روح العصر الحاضر. وإلا، فكيف نفسر أن كل ما نراه من الغرب هو الافخاذ والصدور وكل ما يراه الغرب فينا هو الحضارات القديمة التي ترعرعت في بلداننا قبل آلاف السنين؟

هل الله هو نفسهُ إله البحر بوسيدون؟

لكن، لو أفترضنا جدلاً وجود الله وإنهُ الادرى بالخير والشر وتمييز الصواب من الخطأ، فماهي الاسس التي على أساسها قام الله بتمييز الخطأ من الصواب؟ وهل أختار الله الخطأ لانهُ خطأ في نفسهِ أم الخطأ أصبح خطأً لأن الله شاء أن يكون كذلك؟ كما يبدو فأن الامر لايبدو أعتباطياً أو من ضرب من ضروب الصدفة. بل هناك أشياء محددة تتكرر في مختلف الاديان، مثال على ذلك زواج القرباء. فهل كان الله يدرك سلفاً بأن زواج القرباء يؤدي الى تشوهات جينية قد تقضي على النوع بأنقراض نسله؟ أم أن الله جعل الجينات تتشوه تلقائياً إذا تزوج القرباء؟ وإن كان كذلك، فمن هذا الله الذي نتحدث عنه؟

اليست الآلهة الهندية المتعددة هي أشكال متعددة لله الذي نعرفهُ في الاديان الابراهيمية؟

كي نفهم شخصية الله علينا أولاً أن نعرف ما هي وظيفتهُ العملية. مراجعة بسيطة للأديان الابراهيمية نرى لله وظيفة محددة جداً بأستثناء تفسير المجهول. الوظيفة الاساسية لله هي  نقل القيم والاخلاق المتوارثة من الاجداد الى الاحفاد من خلال منظومة دينية مغلقة. الدليل على ذلك نراه في أختلاف صورة الله في الاديان المختلفة وتقمصهُ لإخلاق الشعب الذي يظهر فيه. على سبيل المثال فأن الله في اليهودية سادي وشرس، يتحدث بالالغاز والامثال ويمارس السحر في المسيحية ثم نراه جلف ودموي في الاسلام. فما تفسير ذلك؟ هل مزاج الله يتغير من عصر لآخر أم نحن نتحدث عن شخصيات مختلفة؟

هذا الاختلاف الجوهري في شخصية الله يصبح مفهوماً عندما نعرف بأن الله ظاهرة إجتماعية بحتة يعكس أخلاق وأعراف وتقاليد المنطقة الذي يظهر فيها. ربما من الصعب تقبل هذهِ الفكرة لأنها تناقض تماماً فكرة السرمدية التي يصف الاله الابراهيمي بها نفسه. الاشياء السرمدية لاتتغيير بمرور الزمن كما أن قوانين الطبيعة لاتتغير مهما تغيرت الشعوب وأخلاقها ومعتقداتها. السؤآل الأهم الذي يطرح نفسهُ هنا هو، هل سنضع بوصلتنا الاخلاقية في يد فكرة هلامية متقلبة مثل الله؟

الإله غانيش… هل هو الله؟

من ناحية أخرى فأن الخير من منظور إنساني بحت يمكن تعريفه بأنه الفعل الذي فيه أكبر منفعة ممكنة لأكبر عدد ممكن من البشر. يبدو الامر سهلاً لأول وهلة، لكن في الحقيقة الامر أصعب من ذلك بكثير. حيث تتقاطع المنافع الشخصية مع حريات وحقوق الآخرين. لذلك نقوم دائماً بسن القوانين الجديدة وتحديث القوانين القديمة كلما زاد فهمنا للإنسان وحاجاته.

الشيء الثاني الذي يجب إدراكه بدقة هو الصواب والخطأ مرتبط دائماً بوجهة نظرنا الجمعية. الإنسان هو مركز القرار والفاعل في أي شيء نريد أن نتخذ منهُ موقف الصواب والخطأ. حيث لايوجد شيء سابق أو لاحق لوجودنا البشري ممكن وصفهُ بأنهُ خير أو شر إلا من خلال علاقتنا بهِ. فلا موت الديناصورات قبل 65 مليون سنة كان خيراً أو شراً بالنسبة لنا ولا سقوط النيازك على سطح القمر ولا جفاف سطح المريخ.  أي شيء خارج عن محيط التأثير بنا لا يعتبر خير أو شر، بل يعتبر مجرد حدث عرضي في تاريخ الكون. ليس أكثر أو أقل.

بسام البغدادي


[1] https://www.telegraph.co.uk/news/earth/wildlife/5373379/Animals-can-tell-right-from-wrong.html

Facebook Comments
Bassam Al-Baghdady
No Comments
Posted in:
Bassam Al-baghdady
Comments
There are no comments yet.
Write a comment

Let me know what do you think?