من هي عشتار ومن أين جاءت ولماذا نسيناها أو تناسيناها رغم إنها اقرب إلى النفس من حبل الوريد؟ عشتار الإلهة العراقية القديمة قِدم تأريخ أرض العراق والعراقيون جميعا قدم لها العراقيون النذور والقرابين في مواسم العطاء والخصب. عشتار آلهة الحب التي نشرت السلام والطمأنينة في ربوع بلاد الرافدين منذ دهر الدهور وأقدم العصور. نشرت الخصب في نسائنا والحب في رجالنا وأعطت الحياة والجمال لكل شبر من ربوع ارض الرافدين.

عشتار… ماذا حدث لها؟ كيف أدخلها التأريخ غياهب النسيان المظلمة في غفلة من الزمن؟ كيف نسينا أو تناسينا ومشينا اليوم نحارب ونذبح ونسرق ونبقر البطون ونغتصب الأطفال والفتيات؟ نسينا ام تناسينا وبدأنا نصرخ في وجه أقدس ما عرفه الإنسان منذ وجوده زنى ونقطع رأس الحياة النابض بسكين عمياء عصبية تكبر لإله مجهول ونحرق بالتيزاب وجه الجمال العراقي أينما رأيناه في البصرة أو في الكوت، في السليمانية أو بغداد؟

قصة غيبوبة عشتار التي لا تموت تبدأ اول ما تبدأ عام 597 قبل الميلاد حين قام الملك البابلي نبوخذنصر باحتلال ارض ما يعرف اليوم باسم فلسطين وإجلاء القبائل اليهودية التي كانت تعيش فيها وتمارس فيها طقوسها وعاداتها وذبائحها لإلهها المرهوب والمعروف باسم يهوه أو الله بالعربية. بقدوم الدفعات الأولى من هذا الجلاء (الذي حد هذا اليوم ﻻ تعرف أسبابه ودوافعه) عرف البابليون اسم هذا الإله الجديد الذي يحكم فوق رقاب الناس بقبضة من حديد. أنه يهوه الذي يرعب وﻻ يخاف يهز وﻻ يهتز والذي حسب القصص اليهودية القديمة عن إلههم انه يحكم فوق ما لم يحكم إله قبله ألا وهو الموت. يهوه أو الله هو الإله الأول من نوعه الذي يمتلك تلك القدرة الجبارة والمهولة التي تتمثل بأنه قادر على ايقاض الموتى من سباتهم الهادئ والعميق عمق الطبيعة من ثم يعذبهم في أتون أبدية وقودها الناس والحجارة هناك حيث يكون البكاء وصرير الأسنان.

خلال قرون طويلة لم يعرف سكان وادي الرافدين المسالمين إله بهذا الجبروت والعنف، إله يحكم فوق هاوية المجهول والموت، نعم تعرفوا على ألهه للشباب والحب والجمال والخصب والنماء والازدهار والطمأنينة ولكن إله رهيب يوقض الموتى ويعذبهم في نار أبدية ﻻ تنتهي كان فعلا إلها جديدا ومرعبا لدرجة تستحق الرهبة والتفكير. إله يصف بدقة أدبية غير مسبوقة كيف سيقطع الأوصال ويسلخ الجلود ويحرق الناس وهم أحياء في أبدية ليس منها مفر بعد الموت، إله جديد لم يعهده هذا الشعب المسكين المسالم. 

شعوب ما بين النهرين عاشت لقرون طويلة جنب لجنب تتعبد لإله الخصب والنماء في الربيع، تقيم الموائد ومآدب الشكر لإله الصيف تموز بعد موسم الحصاد ثم تعود إلى الهة الحب والجمال في الخريف تطلب بركات عشتار لتزويج الفتيان والفتيات، وفي الشتاء يصعدون البخور العذبة لإله الحياة كيف يحفظ أرواح الأطفال الصغار والشيوخ والعجائز الكبار من البرد والصقيع. شعوب هانئة وسعيدة عاشت لدهور طويلة تزرع وتأكل ما زرعت، تعمر بابل والحضر واروك ونينوى وتكتب في الطب والفلك والتأريخ. 

بعد الجلاء الأول وببعض مئات السنين جاءهم هذا الإله المرعب مرة أخرى ولكن هذه المرة بسادية أكثر معلنة حيث انه قام بصلب ابنه حتى الموت. جاءهم برعب جديد وهو الموت والعذاب في هذه الحياة ثم الموت والعذاب الأبدي في آخرة أبدية. الإله الذي لم يرحم حتى ابنه يستحق الوقفة والتأمل والخشية، انه حقاً إله ﻻ يعرف الرحمة وقد يفعل ما وعد به حينما نكون وحدنا هناك تغطينا ظلمة الموت وتراب القبر نقف عراة بين يديه يقطع أوصال أبنائنا وبناتنا ويسلخ ويحرق أبائنا وأجدادنا وما من مغيث. ماذا ستفعل عشتار الرقيقة آلهة الحب والجمال تجاه مثل هذا الإله والجبروت المطلق؟ ماذا سيقول آشور إله الشمس الطيب الذي يغدقنا بخيراته كل صيف أمام هذا الإله الذي قادر على إطفاء الشمس في اليوم الأخير؟ انه بحق إله من نوع جديد، إله شديد وقوي ورهيب يجب التفكير في أمره. ولنحمل الصليب بعض الوقت لنتدارى شره وبطشه.

لم يمض وقت طويل على هذه الشعوب التي امتصت هذا الإله القبيح بوجهه الجديد وأقلمته في حياتها المتحضرة ابتداء من حضر وآشور إلى بابل وأور وأكد. ستمائة سنة مضت ثم جاءت قبائل الجنوب، بوجوهها التي أكلت منها رمال الصحراء قرون طويلة على خيولها الهزيلة، على جمالها الجائعة وخيامها المتهرئة من جلود ماعز جائع. جاءت تلك القبائل وعلى ظهور خيولها تحمل هذا الإله مرة أخرى، وأخرى، ثم أخرى مزمجرا مرعدا ومتوعدا لهذا الشعب الفاسق، هذا الشعب الكافر الذي تمادي في سخائه وجماله وحبه للحياة. إنها الصحراء تغزو سهول بين النهرين الخضراء، إنها البداوة تغزو الحضر إنها الخيمة تغزو المدينة والاستقرار والتقدم.

إني أنا الله فاخشوني، إني أنا الرهيب فارهبوني، إني أنا القوي فاتبعوني، إني أنا الجبار فاعبدوني، إني أنا المميت، إني أنا الملك، إني أنا المهيمن، إني أنا المتكبر، إني أنا القهار، إني أنا القابض، إني أنا الخافض، إني أنا المذل، إني أنا الرقيب فاحذروني، إني أنا المنتقم، إني أنا الضار.. إني أنا الله.

Facebook Comments

1 Comment

  1. ما هي الدلائل القطعية على وجود الله
    هذا السؤال يردده الكثير من الملحدين قديماً وحديثاً ، ولا أرى الجواب سوى كالتالي :
    أولاً : الخالق سبحانهُ وتعالى ليس بحاجة لمن يثبت وجوده ، فهو موجود شاء من شاء وأبى من أبى .

    ثانياً : ليس من حق الإنسان أن يطرح هذا السؤال أو بطلب الرد عليه ، فالإنسان لم يصل ولغاية هذهِ اللحظة إلى الإستقرار الفكري والإجتماعي ، ولم يستطيع طوال فترة وجوده على الأرض أن يحل مشاكله النفسية والإجتماعية ليتصالح مع نفسه ولو لفترة قصير ، فيكف عن قتل ومعاداة إخوتهِ في الإنسانية ، فإذا كنا كبشر وبالرغم من علومنا وخبراتنا الحياتية الطويلة لم نتمكن من معرفة حقيقة وجودنا ، فكيف نسأل عن حقيقة وجود الآخرين ، ففاقد الشيء لا يعطيه !!!

    ثالثاً : عندما نسأل عن حقيقة الخالق وعن حقيقة الكون وعن حقيقة الوجود وكأننا نضع أنفسنا في مكانة أعلى من هؤلاء ، بل قد يصل بنا الغرور إلى إصدار الأحكام والشرائع ، فنقول هذا منطقي وعقلاني وعلمي …… إلخ ، فهل يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان بالمنطق والعقلانية والعلمية التي يدعيها لنفسه ، وكيف نُفسِر الحروب وقتل الإنسان لأخيه الإنسان بالوحشية والبشاعة التي لا نراها مع أقسى الحيوانات ضراوة ووحشية .

    رابعاً : الإستنتاج السابق يقودنا للسؤال عن الدلائل القطعية لوجود الإنسان ، وهو ذلك المخلوق الذي يسعى على الدوام لتدمير ذاته ولا يرضى بواقعه ، ولا يكف عن تحقير أخاه الإنسان ويصر على تدميره ، وخير دليل أسلحة الدمار الشامل التي صنعها الإنسان بيده ، ولم يكن هدفه الصيد أو العيش الكريم أو تهديد مخلوقات أخرى غير الإنسان ، بل هي موجهة ومصنعة خصيصاً لقتل الإنسان وبكميات هائلة وبصورة عشوائية ، ومن غير حُجة أو منطق أو عقلانية أو أسباب علمية
    خامساً : لا يجوز لنا شرعاً الإستدلال على وجود الخالق سبحانهُ وتعالى بشيء مادي ، وهذا فخ ومكر كبير من الزنادقه والملحدين ، فإذا حدث وإن إثبتنا وجود الخالق بشيء مادي ، فهذا يعني بالضرورة بأن قبل المادة لم يكن هُناك خالق والعياذ بالله ، وإذا إحتججنا بالقرآن أو بالكتب السماوية حصرياً ، فهذا يدل على أن الخالق سبحانه لم يكن من المستطاع الإستدلال إليه قبل ذلك ، وإذا قلنا الدليل هو خلق الإنسان أو المخلوقات الأخرى فهذا يعني والعياذ بالله حاجة الخالق للخلق لكي يثبت وجوده ، وهذا يخالف حقيقة الوجود وحقيقة الخالق الأزلية والأبدية سبحانه وتعالى عمَّا يصفون ، والمؤمن يا إخوتي حذر فطن ، فلا يجوز له الوقوع في الإثم والمكر العظيم الذي يمكرونه الملحدون ، فأهم شروط الفوز في المناظرة هو أن تُخضع الغريم لشروطك ومنطقك ولا تنجر إلى شروطه ومنطقه فتكون أو الخاسرين

Let me know what do you think?

Shares